الشيخ محمد رشيد رضا

342

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المسند والمسند اليه ونحو ذلك ، وانما هي مقاصد الكلام ومغازيه تغوص في أعماق القلوب كما يغوص الماء في الاسفنج ، فلا تدع فيها مكانا يتعاصى على تأثيرها كما قال الأستاذ الامام . هذا الاتعاظ والاعتبار بوصايا الكتاب العزيز في اليتامى قد ملك نفوس المؤمنين فتركهم في حيرة وحرج من أمر القيام عليهم واستغلال أموالهم ، خوفا أن ينالهم شيء من الظلم المذكور في آية سورة النساء لأن الظلم يتناول كل ما نقص من الحق ، وشاهده قوله تعالى ( كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً ) فإذا اختلط اثنان في النفقة وأكل أحدهما مما اشتري بمالهما أكثر من الآخر ، تكون الزيادة من مال الآخر ، فإن كان راشدا فرضاه ولو بالعرف أو القرينة إذن يبيح هذا التناول ، وأما إذا كان الخليط يتيما فان الزيادة تكون مظنة الظلم أو هي منه حتما ، ولذلك تأثم الصحابة عليهم الرضوان من مخالطة اليتامى بعد نزول آية النساء ، وان كانت العادة جارية بتسامح الناس في مؤكلة الخلطاء والشركاء من غير تدقيق فكان بعضهم يأبى القيام على اليتيم وبعضهم يعزل اليتيم عن عياله فلا تخالطونه في شيء حتى إنهم كانوا بطبخون له وحده ، ثم إنهم فطنوا إلى أن هذا على ما فيه من الحرج عليهم لا مصلحة فيه لليتيم بل هو مفسدة له في تربيته ومضيعة لماله ، وفيه من القهر المنهي عنه مالا يخفى ، فإنه يكون في البيت كالكلب أو الداجن في مأكله ومشربه . ومن هنا جاءت الحيرة واحتيج إلى السؤال عن طريق الجمع بين الأمرين ، والتوحيد بين المصلحتين ، بأن يعيش اليتيم في ييث كافله عزيزا كريما كأحد عياله ، ويسلم الكافل من أكل شيء من ماله بغير حق ، وكان من فضل اللّه تعالى ورحمته أن أنزل الوحي في إزالة الحيرة وكشف الغمة ، فقال لنبيه ( قل ) لهؤلاء السائلين عن القيام على اليتامى وكفالتهم ، وعن المصلحة في عزلهم أو مخالطتهم إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ يعنى أيّ اصلاح لهم خير من عدمه فلا تتركوا شيئا مما تعلمون أن فيه صلاحا لهم في أموالهم وأحوالهم من تربية وتهذيب ، هذا ما